بســم الله الـرحمــن الرحيــم
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاته :
نبوغ تـــــّــــلميذ
------------------
*** رُويَ أنّ حاتماً الأصمّ ، كان تلميذاً لشقيـق البلخي رحمهما الله تعالى ، قال له يوماً : منذ كم صحبتني ؟
قال : منذ ثلاث وثلاثين سنة . قال : فما تعلــّـمت منــّي في هذه المدّة ؟ قال : ثمان مسائل ! .
قال شقيـق : (( إنــّأ لله وإنـّـا إليه راجعون )) ذهب عمري معك ، ولم تتعلـّم إلا ّثمان مسائل !! فما هيَ ؟ قال :
الأولى : نظرت إلى هذا الخلق ، فرأيت كلّ واحد يحبّ شيئاً ، فلا يزال محبوبه معه ، فإذا ذهب إلى قبره ، فارقه
محبوبه ! فجعلت الحسنات محبوبي ، فإذا دخلت قبري ، دخل محبوبي معي .
قال : أحسنت ، فما الثــّـانية ؟ قال :
الثــّـانية : نظرت في قول الله تعالى : (( وأمـّا من خاف مقام ربه ونهى النـّـفس عن الهوى ، فإنّ الجنـّـة هي المأوى ))
فعلمت أنّ قوله تعالى حقّ فأجهدت نفسي في دفع الهوى ، حتى استقرّت على طاعة الله تعالى .
الثــّـالثة : أنـّي نظرت إلى هذا الخلق ، فرأيت كلّ من معه شيء له قيمة ، وله عنده مقدار يحفظه ، ثمّ نظرت في قول
الله عزّ وجلّ : (( ما عندكم ينفد وما عند الله باق )) فكلـّما وقع لي شيء له قيمة ومقدار ، وجـّهته إلى الله تعالى ليبقى
لي عنده .
الرّابعة : نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كلّ واحد منهم يرجع إلى المال والحسب ، والشـّرف والنـّسب .. فنظرت فإذا هي
لا شيء ، ثمّ نظرت إلى قوله تعالى : (( إنّ أكرمكم عند الله أتـقـاكم )) فعمدت إلى التـّقوى حتى أكون عند الله كريماً .
الخامسة : نظرت إلى هذا الخلق ، فوجدت بعضهم يطعن في بعض ، ويلعن بعضهم بعضاً ! فعلمت أنّ أصل ذلك كلــّه
الحسد ، فنظرت إلى قوله تعالى : (( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدّنيا )) .. فتركت الحسد ، وعداوة الخلق
وعلمت أنّ الـّذي قــُـسمَ لي كائن لا بدّ منه .
السّـادسة : نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض ! ويعادي بعضهم بعضاً ! فنظرت إلى عدوّي في الحقيقة ، فإذا
هو الشـّـيطان ، وقد قال الله تعالى : (( إنّ الشـّـيطان لكم عدوّ فاتـّخذوه عدواً )) فعاديته وأحببت النـّـاس أجـمـعيـــــن .
السّـابعة : نظرت إلى الخلق ، فوجدتــّـهم يطلبون الكثرة ، ويذلــّــون أنفسهم بسببها ! ثمّ نظرت قوله تعالى (( وما من دابـّة
في الأرض إلا ّ على الله رزقها )) فعلمت أنـّي من جملة المرزوقين ، فاشتغلت بالله عزّ وجلّ ، وتركت ما سواه .
الثــّـامنة : نظرت إلى هذا الخلق ، فرأيتهم يتوكـّل بعضهم على بعض ! ويتوكــّل هذا على تجارته ، وهذا على صنعته ، وهذا على
صحـّـته ! وكلّ مخلوق يتوكــّل على مخلوق ! فرجعت إلى قوله تعالى : (( ومن يتوكــّـل على الله فهو حسبه )) فتوكــّـلت
على الله تعالى .
فقال شقـيــــق : { وفــّــقـكَ الله يـا حـاتــــــــــم !!! فلقد جـمـعـت الأمـــــــور كلــّــها } .
ونستخلص من هذه القصـّة أنــّـه يجب على المسلم أن يجعل محبوبه العمل الصــّـالح ( الحسنات ) ، وأن يبتعد عن الهوى ويخالفه إلى ما يرضي
الله ، وأن يستثمر كلّ شيء له قيمة عند الله سبحانه وتعالى ليبقى له عنده ، وأن يعمد إلى التقوى حتى يكون عند الله كريماً ، وأن يترك الحسد لأنّ ما قسمه
الله تعالى له كائن لا بدّ منه ، وأن يعادي الشــّيطان ويحبّ النــّـاس أجمعين ، وأن يعلم أنّ رزقه المقسوم سيصله حتماً ، وأن يتوكــّل على الله في أموره كلــّـها .
وهذا لا يعني الكسل والخمول والــّـلامبالاة فالعمل مطلوب لـلدّارين ، وإنــّـما الأخذ .. بــ :
- اعمل لدنياك كأنــّـك تعيشُ ابداً ، واعمل لآخرتك كأنــّـك تموت غداً -
والله تعالى أعلى وأعلم .
تحيـــّـاتي